عن الانستغَرام كمقبرة للعراقيات

    على ما يبدو أنّنا في يومِ الجُمعة، وتُشيرُ الروزنامة إلى 18 سبتمبر من سنة 2026، وفي اليومِ الأخير من الشهرِ الأخير لهذا العام سأكونُ قد اجتزتُ عامي الــ 36 كنصفِ ثلاثيني عراقي بائس آخر. يبدو هذا افتتاحًا جيّدًا أو ربّما  c.vلتعارفٍ مُضحك هه ..! لكنّهُ ــ مع ذلك ــ يؤكّدُ ديناصوريّتي وبطئي ككائنٍ في هذا الوسط الأنستكَرامي الوردي الباذخ، والذي أفضّلُ تسميتهُ بالمقبرة، مقبرة تبتلعُ كل من ينشطُ هنا أو يحاولُ تسجيل الدخول، هنا حيث لا معنى وحيث كل المعنى…! وكعضوٍ مُتأخّرٍ في هذهِ المقبرة هذهِ شهادتي، لا عن الدفّانة، بل عن المدفونات

فوتوغرافيّات:: في حوار لا أتذكر متى شاهدتهُ ـــ كما لا أتذكر القناة التي عرضته ــ لأحمد فؤاد نجم صرّح بأنّ أعظم اختراعات البشريّة : (الحشيش والموبايل) ، وأنا هنا بصددِ الأخير، والذي لم يعد يفارقنا حتى في الــ  WC، ومثلما لهُ تسجيلاته التوثيقية المُهمّة في المحاكم والجنايات، وتسريباتهُ وفضائحه السياسية/الأكاديميّة، لهُ أيضًا امتيازهُ العظيم… الصورة !! سواء كانت (سِلفي) أو فرديّة أو جماعيّة؛ فهي قبل كل هذا تمثل النشاط/السلوك الوحيد الذي نمارسهُ للقبضِ على اللحظة وإيقاف الزمن، ومنذ دخولي هذهِ المقبرة وأنا املأ عينيّ بستوريّات العراقيّات، ستوريّات تؤكّد دقة وخبرة من التقطها. موضعٌ جيّد، وزاوية ذكيّة، وتحكّم تقني. بذلك سيُمنحنَ امتياز/شاهدة (مصوّر فوتغرافي). إنّ كلّ هذا هو مجرّد مُحتوى يومي، محتوى يتحوّل لقطارٍ في الكثير من الأحيان، قطار سيأخذ تصفّحهُ عشرات الدقائق وربّما الساعات، ذلك سيتبعُ جوعكَ ومزاجكَ كما يتبعُ سرعة أنترنيتكَ. إنّ هذه اليوميّات الحارة سيبقى مصيرها يوميّات، ولن تفكّر أيًا منهنّ لتحويلها كمشروع فوتغرافي بفكرةٍ مُهمّة؛ كونهنّ ملغيّات في البيت، كما في الشارع، كما في الدائرة التي يعملنَ فيها، وهذا ما سيمنحُ أدائهن الدفن المتواصل. كلّ صورة هنا هي كائن أنثوي بامتياز. كائن سيضمّهُ بحميميّةٍ ويحتفظ به هذا الأنستكَرام. 

رياضيّاتيّات:: لم تعد تظهر لي ريلزاتها كما السابق بشكلٍ يومي متواصل، وهذا يبدو منطقيًا بفعلِ الخوارزميّات؛ كوني قد انقطعتُ عن متابعة محتواها بعد أن أنهيتُ رصدي لها كعيّنةٍ أخرى لهذا المقال. لا تبدو عراقيّة سوى بلهجتها العقلانيّة الدافئة. ربما لا يتجاوز وزنها الخمسين كيلوغرامًا بنحافتها هذي، لكنّها ثقيلة بهذه العقليّة الفذة. تشرحُ في ريلزاتها بطريقتها العفوية متاهات ودهاليز وبديهيّات وجدالات الرياضيات أرقاما وعلامات ولوغارتمات وسيرٍ وأعلام. كل ما فيها يوحي بعالمة رياضيات، عالمة لن تحضر أي محفل أكاديمي دولي، ولن تتجاوز حدود هذه الغرفة التي تبث منها، كما لم يتجاوز فعلها هذا الفضاء الافتراضي الجارف.

مُغنيّات:: دائما ما يُفاجئني بصوتٍ غريبٍ جديدٍ ، صوت نسائي عراقي أو لبناني أو سوري؛ فخياراتهُ الغنائية لا تخرجُ عن هذه الجغرافية النسويّة. ما يُعزّز هذا الاكتشاف ليس قوّة الصوت فقط أو إحساسه العالي، بل الطريقة التي سيُخبركَ بها عنهُ، وكيف أنهُ تواصل معها، ويتحدّث لكَ عن ظروفها المأساويّة بتراجيديّته الحارة التي يجيدها، فيندمج الضحك بالبكاء بالموسيقى. هذه المرة أسمعني صوتًا لامرأةٍ تسكنُ قطّاع كذا من مدينة كذا، وتمارسُ هوسها بالأغاني العراقية من خلال الفويزات الصوتية التي تُسجّلها في قناتها التليكَراميّة؛ ليحتفظ بها المتابعون في هواتفهم، ويقومون بعمل مونتاج لها على اليوتيوب/الأنستكرام بوضع صورة افتراضية تناسب الأغنية المُغنّاة. بصوتها فقط يعرفها العالم، وهو الوحيد الذي استطاع دخول دائرتها الغامضة العنيفة القاسية.


حشّاشات:: ولنقل إنها (R) ، ولم تعد تظهر لي ريلزاتها أيضا. المُضحك في (R) هو ليس ما تعرضهُ في محتواها فقط، بل إنها ستُخرج هذا المحتوى أيضًا، وبصورةٍ ذكيةٍ باختيار مواضعٍ ثابتة لها كسطح المنزل أو الطارمة، ولا تظهر لك سوى أكفّها بأناملها الصغيرة الضبابية البياض، والتي ستتحرّك بتلقائية غريبة تؤكد حديثها والذي غالبا ما يكون عن بيئتها التافهة، أو جيرانها، أو حتى أمها، أو ربما صاحب الأسواق، وليس بعيدا سائق الدليفري، وعامل المولّدة… إلخ. هكذا تؤدّي (R) دورها كعضوٍ في هذه المقبرة الفاخرة. دون أن تفكّر ولو للحظةٍ… ماذا لو طوّرت قُدراتها التعبيرية الساخرة هذي معرفيًا؟ ماذا لو أصبحت سينارست مثلا؟ أو استاند آب كوميدي ؟! ماذا وماذا…. ماذوات كثيرة مدفونة في هذا الحساب….!

موديلات::هنا ستظهر هذه الموديل بعبارتها المُعتادة والثابتة (بنات شوفنلي هاي اللبسه….؟)، تؤدي عرض ما ترتديه من بيجاما فاخرة أو قميص أو ثوب أو حذاء أو أي قطعة أخرى، تؤدّي بفرحٍ غامرٍ هذه اللحظات التي تعيشها، وتسيرُ أمام الكاميرا ــ التي تعرض محتوى هذا المحل ــ برصانةِ عارضة أزياء…! نعم، عارضة لم  تمتلك مُديرها الفني الذي سيُرتّب لها جدولة أعمالها، ولم ترتبط بلاعب كرة قدم شهير، كما لم تظهر لمتابعيها من سواحل جزر المالديف …!


مُترجمات:: يُشكّلُ فعل الترجمة مساحةً جيّدة للاختفاء والتنكّر والغموض. من هنا وبفعلِ انطوائيّتهن العالية سيجتهدنَ بشكلٍ كارثي، ولساعاتٍ يوميّة كارثيّة، في ممارسةِ شغفهن في لغة ما، ثم خلق مجتمعهنّ خارج مجتمعهنّ العراقي/العربي، ليغدو الحساب مُجرّد منصّة انكليزيّة أو إيطالية آو فرنسيّة أو تركية أو فارسية أو ألمانية أو روسيّة. شاعرة برفقة قصيدتها من مكانٍ ومجتمع آخر ومن لغة أخرى. والثابت في هذا الحساب/العضو هو الاغلاق المتواصل، ولفترات قد تطول وتطول وتطول…..!!


رسّامات:: ولنقل أيضًا أنها (T) ، ولنفترض أنها من مُحافظة ديالي مثلا، لكنّ الثابت والأكيد أنها كانت تدرسُ (طب الأسنان)، وتمارسُ الرسم، الرسم الذي سيأخذكَ لانطباعيّات كلود مانيه ورينوار وكاميل بيسارو، ولا أنسى أيضًا ملامحها التي تُشبه لوحاتها الانطباعيّة. لا يمر يومٌ دون ملابسها التي سيلطّخها الأحمر والأسود والأصفر والرمادي والبنفسجي والفيروزي، ودون عمل لوحة جديدة، ودون تحضيرات ستودياها المنزلي الخاص، حتى جاءت تلك اللحظة التي أتذكّرها جيدا، اللحظة التي ارتدت فيها قبّعة تخرّجها؛ ليصبح فضائها اللوني الكثيف عيادة حديثة لطب الأسنان، أجهزة ومرضى وشهادات وإعلانات وترويجات لا تنتهي. كيف حصل هذا؟ وماذا يعني كل هذا؟! كلّ ما أعرفهُ حقًا أنني مُجرّدٍ جوّالٍ/مُتصفّح في مقبرةٍ حديثةٍ تُدعى الآنستكَرام.

كتابة : محمد كريم