كيف يمكن أن تتشكل الذائقة الموسيقية لصبي في الثانوية من عائلة شيوعية في العراق؟ يسكن في بيت لا يكفّ عن الاستماع لطالب غالي وفؤاد سالم غير أن مظفر النواب يملأ المكتبة وعيناه تطلّ من الجدار؟ بعد أن اجتزت الثانوية إلى الجامعة قبلت في محافظة أخرى وهذا التغير الجغرافي يمنحك اصدقاء من نوعيات أخرى من حيث طريقة التفكير والذوق واستهلاك الأشياء. بعد زمن ذهبت إلى حفلة بدعوة من صديق في الجامعة. لم أكن اعرف أية تفاصيل غير أنني ذاهب لحفلة موسيقية مع صديق تعجبني تعليقاته على ما يحدث وذوقه في السينما. “فرقة دارك فانتوم في الانتظار” هكذا قرأت في إعلان موجود في باب المسرح. دخلت دون أن اشغل نفسي بالتفكير. كانت القاعة ملطخة بالسواد والناس في الغالب شعرهم طويل وثيابهم خطّت عليها كلمات باللغة الانكليزية واحيانا باللاتينية. بدأ الجو متصاعدا منذ البدء واخذ يصعد تباعا إلى حد يمكن للاذن أن تلتهب ببساطة أو طبلة اذنك يحدث فيها ثقب. وخلط هذا الجو الملتهب بالضوء الاحمر والازرق والابيض والاصفر أيضا. تشتغل تلك الاضواء وفق تخطيط لا يخضع لأي قاعدة هكذا ظلّ يشتغل الضوء ويطفئ بطريقة عشوائية. مستغربا كنت ربما لانني لم اكن معتادا على هذا النوع من الموسيقى، موسيقى الهيفي ميتال. تملّكني انتشاء وقتها عجزت عن وصفه وعجزت أيضا أن امنحه تقييما. فالموسيقى بالنسبة لنا كعرب من كلاسيكيتها إلى حداثويتها ظلّت ربما تتحرك ضمن دائرة مغلقة من الوجد الانساني الممكن . ونحن بدورنا كعرب وعراقيين بشكل أخص اعتدنا هذا النوع حتى أن استماعنا لنوع مختلف من الموسيقى يشكل لدينا نفور لا إرادي له. لكن للموسيقى عادة قوة في النفاذ عبر الاشخاص وموسيقى الميتال رغم التشويه الصوتي والصخب والكثافة العالية التي تقدمها بايقاعات حادة وصراخ حد التهاب الاحبال الصوتية أيضا لديها تلك القوة.
فعندما بدأت كاسيتات الميتال بالدخول للشرق الاوسط وللعراق بالتسيعينات التي مضت كان لها جمهور يسمعها وينتظر البومات جديدة ليقتنيها. وعندما بدأ الميتال يأخذ حيزا اكثر من الاستماع الفردي بدأت تتشكل رغبة في عزفها عند بعض الاشخاص المهتمين. مثلما تشكّلت لدي رغبة أيضا في معرفة هذا النوع من الموسيقى وجمهوره.
فكيف بدأت هذه الفرق في العراق؟ وكيف تلقوه الناس هناك؟
الشبح المظلم .. عرفت لاحقا أن الفرقة التي كانت تغني تأسست في كركوك واسمها دارك فانتوم ويعني الشبح المظلم. أسسها مراد جايمز مع ابن خاله وهم من فئة التركمان التحق بهم اثنين من الاكراد وواحد من العرب في مقابلة صحفية يقول مراد “نحن كالإخوة، ونتحدث مع بعضنا البعض باللغات الثلاث طوال الوقت، الكردية والعربية والتركمانية. نحب أن نظهر واقع الحياة في العراق” وهذا الاستعداد على الوحدة والتلاحم القومي اجاز لهم أن يصمدوا أمام كلّ التحديات التي واجهتهم. لقد صمدوا أيضا امام تهديدات القتل من قبل متطرفين اسلاميين لانهم يربطون موسيقى الميتال بالغرب وبعبادة الشيطان. في المقابلة الصحفية ذاتها قال مراد “يصفوننا بالشيطانيين، لكن الموسيقى هي الحياة نفسها. وعندما تسمع صوت الانفجارات وإطلاق النار والأخبار المستمرة عن عمليات القتل، فإن موسيقى الهيفي ميتال هي نوع الموسيقى التي تتبادر إلى أذهاننا، وليس موسيقى الهيب هوب أو أغاني الحب السائدة” وهذا يعني كأن الحرب نفسها فرضت شكلًا موسيقيًا معينًا. فإذا كانت الأذن تتشكل بما تسمعه يوميًا، فربما لم يكن غريبًا أن يجد بعض العراقيين في الميتال لغة أقرب إلى واقعهم من أغاني الحب. فهذه الفرقة أيضا ظهرت في وضع محتدم كانت تمر به بغداد والعراق بشكل عام.بذور هذه الفرقة كانت مع الاحتلال الاميركي للعراق في العام ٢٠٠٣ ففي هذا العام اعجب مراد بموسيقى الجنود الاميركيين الغريبة والصاخبة التي كانت تشبه وضع البلد في ذلك الوقت .
تأسست الفرقة بشكل رسمي في العام ٢٠٠٩. واقاموا أول حفلة لهم بعد فترة ليست طويلة حيث حضر الحفل أكثر من ٢٠٠شخص غالبيتهم من فئة المراهقين وبداية الشباب. وهنا تصاعد الخطاب المتعصب من الجماعات الاسلامية في الجوامع وتعرضوا للتهديد والتحريض مما جعلهم يوقفون نشاطهم في مدينتهم لمدة ثلاث سنوات.
انتقلوا بعد ذلك إلى اربيل والسليمانية لأن الوضع العام لهذه المدينتين اكثر انفتاحا وتمكنوا في هذا الوقت من انتاج موسيقى عبر استديوهات بامكانات محدودة ومعرفة تقنية متواضعة. بعد تغيرات عديدة في الفرقة وشكلها ، في العام ٢٠١٦ تم اطلاق أول ألبوم لهم واعجب به كثيرين ليس فقط على مستوى العراق بل على مستوى البلدان العربية. غادرت العراق هذه الفرقة إلى سوريا بسبب ما مر به العراق في تلك الفترة واحيوا حفلا هناك ومن ثمة انتقلوا إلى اوربا وبدأوا بتنظيم حفلاتهم وهنا انظم إليهم عازفين غربيين والتقوا بجمهورهم الذي تعرف إليهم عبر الانترنت. وظلت هذه الفرقة رغم كلّ التوقفات والتحولات التي مرت عليها مستمرة بالشغف نفسه مواصلة العزف بالغرابة ذاتها.
الملامح الأولى للميتال في العراق وأكراسيكودا
كلّ ذلك لم يبدأ من فراغ فقبل أن تصعد دارك فانتوم إلى المسرح الذي دخلته أنا، كان هناك جيل آخر شق هذا الطريق وسط بغداد المشتعلة. ففي العام ٢٠٠٧ تم اصدار الفيلم الوثائقي هيفي ميتال في بغداد من إخراج سوروش ألفي وإيدي موريتي. وثّق نشأة فرقة ميتال عراقية وهي الأبرز، إن لم تكن الوحيدة، في بغداد في أوائل الألفية. أكراسيكودا كان اسمها ويعني العقرب الاسود باللغة اللاتينية. وهي فرقة ثراش ميتال نوع يتفرع من الهيفي ميتال. تأسست في العام ٢٠٠١ على يد فيصل طلال، وفراس اللطيف، ومروان رياض ، وطوني عزيز. وتزعم الفرقة الرباعية أنها فرقة الميتال الوحيدة في العراق في ذلك الوقت.
صوِّر العمل في ظروف قاهرة، حتى إن الكادر لم يكن يعرف ما اذا كان اعضاء الفرقة أحياء أم امواتا. حيث كان المخرجين مسلحين ومجهزين بسترات حاجبة للرصاص. رافقهما مسلحان وسائق ومترجم في رحلتهما للبحث عن فرقة الميتال المفقودة.
في بغداد وفي تلك الفترة، لم يكن الوصول إلى الفرقة مجرد مهمة تصوير، بل اقتراباً من حياة معلّقة بين البقاء والاقصاء. وبعد جهد عثروا عليهم وأُقيم في النهاية حفل للفرقة في فندق الفنار في منطقة أبو نؤاس. على اية حال لم تكن موسيقى الهيفي ميتال محظورة في العراق، لكن ارتباط هذه الثقافة الوثيق بالغرب حوّل عزفها إلى أمر محفوف بالمخاطر. ورغم الضغوط الخانقة بقيت تلك الفرقة صامدة، فقد كانوا يحملون أسلحة للوصول إلى مكان تدريبهم.
وهذا المكان نفسه دُمّر في منتصف الفيلم بهجوم صاروخي كارثي. فالحياة في بغداد كانت شيئاً مستحيلاً في تلك الفترة: شوارع من المباني الخطرة، أصوات إطلاق نار، انفجارات، وعبوات ناسفة ومفخخات. المنتجون كانوا مرعوبين من تجوالهم في بغداد: “استعدوا لإطلاق النار عليكم”، هكذا حذرهم فريق الأمن المرافق لهم أثناء دخولهم المدينة. وهكذا كانت المدينة على حافة حرب أهلية. هذا الفيلم ليس مجرد توثيق لفرقة موسيقية في ظروف استثنائية، بل يكشف العلاقة بين شكل الموسيقى نفسها وبين البيئة التي تعيش فيها. فالمسافة بين الميتال والمدينة هنا ليست ذوقية فقط، بل وجودية أيضاً. ربما يتساءل البعض لماذا الإطالة في الحديث عن الأوضاع الأمنية في بغداد والعراق بشكل عام، لأنها في الحقيقة صلب الموضوع. في تلك الفترة كان العراقيون يتأملون بالديمقراطية “المهدي” الذي جاءهم على طبق من ذهب. يقول فيصل، واحد من أعضاء الفرقة: “ قوات عسكرية وإرهابيون في الخارج، ونحن عالقون في الوسط. هذه هي الديمقراطية التي نعيشها الآن. لذا أقول: تباً لهذه الديمقراطية.”حتى في مدينة تتصاعد فيها أعداد القتلى وتنتشر فيها الهجمات الكارثية من كل طرف، يظل الخطر الذي تواجهه الفرقة مرتفعاً بشكل غير طبيعي. يشرح فراس، وهو يتحدث عن قميصه الذي يحمل صورة فرقة سليب نوت: “لأنها فرقة أمريكية، قد يؤدي ذلك إلى مقتلك في بغداد.” ويتابع: “إذا حان أجلي، أنا مستعد للموت. عندما تصل إلى هذا المستوى من اليأس، تتقبله.”العزلة وشكل التلقي فعزلة الفرقة لم تكن ناتجة عن الحرب وحدها، بل عن طبيعة اللحظة الاجتماعية التي كان يعيشها العراقيون أنفسهم. فالعراقيون كانوا يعيشون لحظة تاريخية في البحث عن فكرة الاستقرار والهوية، لذلك بدا الميتال شيئاً غريباً وغير قابل للاستساغة.والمجتمع العراقي، بوصفه جزءاً من المجتمع العربي، اعتاد على أنماط محددة من الموسيقى وشكل مؤديها. عندما جاء الميتال لم يكن الرفض موجهًا إلى موسيقاه وحدها، بل إلى كل ما كانت تحمله من رموز وصور وعلاقة بالغرب، ولذلك بدا الميتال، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر من مجرد نوع موسيقي؛ بدا إعلانًا عن هوية مختلفة. غير أن هذا النوع من الموسيقى لا يلبي رغبة المستمع العراقي الجمعي أو الرغبة الجمعية التي تشكلها المتعة، متعة أن أطرب مثلا. الميتال لا يلبي ما اعتاد المستمع العراقي أن يطلبه من الموسيقى الطرب، واستعادة الذكريات، والدفء العاطفي بل رغبة التجريب. إنها متعة لا تأتي من الطرب، بل من اتساع حدود السماع نفسه؛ من اكتشاف أن الأذن قادرة على استقبال ما كانت تظنه ضجيجا خالصا. فحينما خرجت من المسرح في تلك الليلة لاحقني سؤالا عن الأذن وكيف تتشكل؟ عن ما معنى أن نعتبر صوتا ما طبيعيا وآخر مستحيلا؟ فالطرب ليس الشكل الوحيد للمتعة الموسيقية، كما أن الأذن ليست قدراً نهائياً. إنها تتغير مثلما تتغير المدن والناس واللغات. ولذلك لم أخرج من تلك الحفلة محباً للهيفي ميتال بالضرورة، لكنني خرجت أقل يقيناً بأن ما اعتدت سماعه هو الشكل الوحيد الممكن للموسيقى.
كتابة : مجتبى منذر
مصادر :
فيلم هافي ميتل في بغداد ترايل : الرابط الفلم كامل : رابط / مقابلة مع فرقة اكراسيكودا : الرابط



