مشاريع ثقافية بإدارة شابات عراقيات

تقول سيلفيا بلاث: “على المرأة أن تمتلك غرفة تخصّها إذا أرادت أن تكتب.” و الغرفة هنا ليست جدرانًا فحسب، بل مساحةٌ تُفتح فيها النوافذ على إمكانية الحلم.

في العراق، ست نساءٍ امتلكن تلك “الغرفة” بمعناها الأوسع. لم يحتجن أكثر من فكرةٍ ومساحةٍ صغيرةٍ ليحوّلن الهامش إلى مركز. من داخل زوايا بسيطة بدأت مشاريعهن، لكن أثرها امتد الى وعي الناس ليصبح فكرة تعيد الصخب الضائع الى اصحابه،، صخب الفن، و الفكر، و الأذهان التي تلتقي عبر عقولهن المضيئة.

ست نساءٍ قرّرن أن يستثمرن في الثقافة، ويجازفن بالإبداع، ويصنعن المشهد بأنفسهن. من مرسمٍ إلى مكتبة، ومن تجمعٍ ثقافي إلى منصة رقمية، تنبض هذه “الغرف الصغيرة” بروحٍ كبيرة تشهد ولادة مشاريعٍ نسائيةٍ تكبر و تصير معنى. فالولادة دائمًا أنوثة، والأنثى ( أينما حلت) تلد الجمال.

مريم – خان الحالمين

“” أشعر أنّ خان الحالمين هو حلمي منذ زمنٍ بعيد؛ حلمت أن أكون في مجتمعٍ يجمع كل هذه العقول الرائعة، وتجمعنا فكرةٌ كبيرةٌ واحدة، ولم أتوقّع يومًا أن أكون أنا من يضع حجره الأول، ويحوّله من فكرةٍ حالمةٍ إلى واقعٍ ينبض بالحياة. ورغم أنّي ما زلت في بدايات النادي، إلا أنّي سعيدةٌ جدًا بما وصلنا إليه حتى الآن، ومتحمّسةٌ للغاية لمستقبله، لأنّي لا أراه مجرّد نادٍ صغير، بل أراه بذرةَ حلمٍ ستنمو لتصبح مشروعًا كبيرًا وعظيمًا. وأنا فخورةٌ جدًا بكل خطوةٍ صغيرةٍ نخطوها، فهي تذكّرني بأنّ الأحلام، حين تُروى بالشغف، لا بدّ أن تُزهر يومًا بالنجاح. “”

1000009404

مع الحالمين، تصنع مريم مشهدًا قرائيًا حيًّا ومتجدّدًا. أسست نادي خان الحالمين للقراءة ليكون أكثر من مجرد مساحة لتبادل الكتب؛ بل مجتمعًا صغيرًا يجتمع فيه القرّاء أسبوعيًا لمناقشة أفكارهم، ومشاركة تجاربهم، واكتشاف ذواتهم عبر النصوص. بجهدها الفردي وشغفها الهادئ، أعادت مريم للقراءة دفئها الإنساني، وحوّلتها إلى طقس اجتماعي يعيد وصل الشباب بالمعرفة والحلم .

سرى الداوودي – نادي الشعر | poetry hub

““ بوتري هب هو مكان يضم كل من يعجز عن تعريف جنسيتة اللغوية ويطمح ان يكون مساحة الذين يواجهون صعوبة في الانتماء | سرى“

سرى الداوودي مؤسسة نادي الشعر بوتري هب

بوعيٍ منفتحٍ على الأدب العالمي، أسست سرى، الحاصلة على شهادة الماجستير في الأدب الإنكليزي،”نادي الشعرPoetry Hub” ليكون جسرًا ثقافيًا بين اللغات، وسدًّا للنقص في المشهد الثقافي أمام متلقي الأدب الإنكليزي. يُقيم النادي جلسات مفتوحة للقراءة والنقاش والإلقاء، وتخلق سرى عبر هذه الفضاءات حوارًا جديدًا بين الشعراء الشباب واللغة، لتعيد تعريف العلاقة بين الجيل العراقي الجديد و الكلمة الشعرية الحديثة.

بان الركابي- مكتبة اطراس

““ أطراس بالنسبة إلي، حلم يتحقق..و أسعى دوماً لإضفاء بصمة خاصة على كل جوانبها. آمل عن طريق المكتبة و الأجواء التي توفرها و مساحات الحوار ، إضافة إلى الزاوية الأهم ، نوادي القراءة أن أسهم بنشر أهمية و عمق عالم القراءة بطريقة هادفة و ممتعة في آن واحد أما الرواد فأكثر ما ألمسه و يسعدني جداً بأنهم يجدون في أطراس زاوية مختلفة تمكنهم من أن يكونوا جزء من مجتمع واعٍ يساعدهم على إعادة اكتشاف ذواتهم و يرفع من قدرتهم على التعبير عن الرأي و تقبل الرأي الآخر. ““

1000009447

ليست بان مجرد مديرة مكتبة، بل راعية حقيقية للمشهد الثقافي.تحوّلت مكتبة أطراس على يديها إلى مأوى للحركات الثقافية الناشئة، إذ فتحت أبوابها مجانًا أمام المبادرات الشبابية لتنظيم اجتماعاتها و ورشها، إلى جانب ما تقيمه من صالونات أدبية و نوادي قراءة دورية. وبمشاركة شقيقتها الدكتورة زينب عبدالخالق في تأسيس هذا المشروع، استطاعتا معًا تحويل المكتبة إلى فضاء مشترك بين الأدب والمجتمع، بهذا الدور، جعلت بان من المكتبة فضاءً مشتركًا، بين الفكرة والمكان، وأعادت إلى الذاكرة صورة المكتبة بوصفها قلب المدينة النابض، لا مجرد رفوفٍ من الكتب.

مريم و فاطمة – ورشة فن

““ورشة فن مساحة تنبض بالإبداع والطاقة الإيجابية، تجمع عشّاق الفن في مكان واحد. نحن فخورات بهذا الإنجاز، و سعادتنا تكبر في كل مرة نرى الناس تبتسم وتبدع بأيديها.”“

1000009444

قررت الأختان مريم وفاطمة أن الجمال لا يخص الموهوبين وحدهم، بل يسكن أرواح الجميع. من هذه الفكرة وُلدت (ورشة فن) ، إحدى أبرز المساحات الفنية في العراق اليوم، حيث تُقام ورش الرسم والنحت والفن التشكيلي بروحٍ مرحة وشبابية تُعيد الفن إلى تفاصيل الحياة اليومية. في فضائهما، يتحول الإبداع إلى تجربة جماعية، ويصبح الفن وسيلةً للانتماء لا للنخبة.وربما، بفضل إحدى ورشاتهما، اكتشف كثير من الشباب أن في داخلهم فنانًا كان ينتظر فقط من يمدّ إليه الضوء !

صفا احمد – stage reads

“النص المسرحي المكتوب في كل عرض مسرحيّ يتم تأديتُه يكون قصةً مختلفةً تماماً عن العرض الذي سبق، وهذا هو ما نقدمُه في Stage Reads.تذوَّق المسرح بملعقة مختلفة مع الكثير من الاهتمام للمرح والفن | صفا “

1000009446

لم يعتد الشارع العراقي على مناقشة المسرح بقدر ما اكتفى بمشاهدته ! صفا، واحدة من الأصوات المسرحية الجديدة، شاركت في تأسيس Stage Reads، وهي مساحة حرة تُعيد تعريف العلاقة بين الجمهور و المسرح. تقوم فكرتها على النقاش المفتوح حول النصوص والعروض المسرحية، وتحويل القراءة إلى لحظات تفاعل حية . في هذه المساحة الممتعة أصبح المسرح أقرب إلى الناس، وأكثر جرأة و صدق في محاورة الواقع.

سما حسينمشروع ضد

““ اؤمن ان الفن انساني و الثقافة للعاديين، و اننا بحاجة الى خطاب شبابي اقل تعقيداً ليتورط مع الجيل الجديد ، و اقول يتورط لاني اؤمن ايضا ان جيلنا صاخب و خلاق لكنه محاصر بالتفاهة من هنا كانت فكرة مشروع ضد .. ان نكون مؤسسة مضادة لا علاقة لها بشيء غير التجربة الجمالية للكتابة و الصناعات الابداعية “”

1000009445

 من هذا البيان ، انطلقنا في مشروعنا ضد مساحة ثقافية مستقلة تتجاوز قيود الاحتكار واللغة الجامدة في الوسط الثقافي. يمنح المشروع الشباب فرصة لإعادة اكتشاف جمال الكتابة، حيث يلتقي الأدب بالإعلام، و يمتزج النشر بالترجمة وصناعة المحتوى الثقافي. هنا، يصبح ضد لغة نابضة بالاختلاف والتفرد، تعكس روح الجيل الجديد.

في الختام

في كل زاوية من هذه المشاريع تولد حكاية جديدة، لا عن النساء فقط، بل عن بلدٍ يعيد ترميم نفسه عبر مبادرات شاباته. هذه “الغرف” التي بدأت متواضعة تحولت إلى منصات حيّة تعيد توزيع الضوء على الثقافة العراقية من منظور أكثر جرأة وانفتاحًا. ما يجمع هؤلاء الشابات ليس المكان، بل الإرادة؛ إرادة أن يصنعن لأنفسهن ولجيلهن مشهدًا ثقافيًا لا ينتظر إذنًا من أحد.

ومع أنّ هذه المبادرات ليست الأولى من نوعها في سياق الحضور النسائي، وأنّ المشهد الثقافي العراقي اعتاد منذ عقود على نساءٍ يضعن بصماتهن الواضحة في قلبه، إلا أنّنا اخترنا اليوم أن نسلّط الضوء على الوجوه الأحدث في هذا الطريق؛ الجيل الذي يواصل السلسلة، ويضيف إليها صوته الخاص وشكلها الجديد.

في النهاية، تبقى هذه التجارب شهادات واقعية على أن المستقبل الثقافي يُبنى الآن، بأيدٍ تعرف قيمة الحلم، وتصرّ على أن يكون لها صوتٌ ومكانٌ وأثر.

كتابة : الفريق