للعراقيين أمثالهم الشعبية الغريبة، تلك الأمثال التي ما زالت بحاجةٍ لمركز أبحاث لغوي/ سيكلوجي/ ثقافي/ اجتماعي. ساعدتهم على ذلك لهجتهم المَرنة الولّادة الشاعرة، وتفاصيلهم المُغايرة المليئة بالتناقض والسريالية وجنون المفارقات. باختصار أنهم لا يعيشون حياتهم فقط بل يعيشون كوميدياهم، وبصورة في قمّة المصالحة مع الذات. أقولُ هذا وأنا أمرّ على هذا المحلّ، والذي أمرّ عليه بشكلٍ متواصل بحكمِ تجوالي المستمر في الحلة، والتي يمكنكَ تمشيط شوارعها بأقلّ من نهارٍ واحد، وذلك يعودُ لصغرها ولبساطة ناسها ولشوارعها المُهدّمة باستمرار كمدينة منكوبة من القرن الخامس الهجري. كانت اللافتة على كبنك المحلّ تؤكّد: المحل للإيجار07808705449وأنا أعيدُ قراءة الرقم تذكرتُ المثل القائل (مثل أم البزازين يوميّه بمكان) هنا انطبق هذا المثل على هذا المؤجّر الآخر الذي كان قد استثمر المحلّ، محاولًا العثور على مكانٍ آخر، وأزمة المكان هه عراقيًا علامة فارقة لهذا المجتمع….! هذا المحلّ أو بالأحرى هذه الأربعة جدران لا تشبه (البزّونه) في المثل السابق بل ستشبه اللواتي لا يجدنَ مصدرًا لحياتهن الصعبة غير بيع هذا الجسد اللعين القذر..! كل يوم مع رجلٍ آخر، وحتى لا نبتعد كثيرًا فإنّ هذا المحلّ كل يوم مع مؤجّر آخر، مؤجّر سيبحثُ عن مكانٍ آخر
استنساخ :
يعجّ تقاطع باب الحسين في الحلة بمحال الاستنساخ واستوديوهات التصوير، وإضافة محل آخر ستبدو حربًا على الجميع. الجميع الذين سيتواجدون هنا منذ السابعة صباحًا وحتى الواحدة ليلًا. والأهم قدمهم هنا، عراقة التاريخ الطويل والكدح المتواصل. وليس مُستغربًا أن يفشلَ المشروع في غضونِ أسبوعينِ ويذهب المؤجّر للبحثِ عن مكانٍ آخر.
البيتزا وأخواتها:
أتذكّر تلك اللحظة جيّدًا، شابة ترتدي الكاجول بطريقةٍ مُغايرة وجاذبة للانتباه، تقفُ على آلة قطع تذاكر الطعام في باب المحلّ ككاشير. إنّها خطوة تسويقيّة أخرى إذن. (أكلات سريعة) تضمّ البيتزا والزنجر والريزو والكنتاكي هنا ….؟ في باب الحسين ….!! المنطقة مليئة بالكادحين والأهم أنها مليئة بقوتهم الشعبي البسيط (الفلافل) وملحقاتها التي تعرضها جامخانات الكافتريات الكثيرة. لقد فشل هذا المشروع الآخر ولم تسعفهُ فتاته السوريّة بهذهِ الكاسكيتة الحمراء….!
كوفي:
في مغامرةٍ أخرى، يجرّبُ أحدهم حظهُ هنا في افتتاح هذا الكوفي البسيط. الفكرة جيّدة رغم تواجد الكوفيّات والمقاهي هنا بكثرة وذلك لأن الزبائن يتواجدون بكثرة كاثرة أيضًا. كانت اسطوانات الأراكيل تستعرضُ أناقتها في مدخل المحلّ أمام الناظرين واستطاع المشروع الصمود لأشهر لكنه فشل أيضًا نظرًا لموقعهِ بين أرتال مكاتب الاستنساخ من الجانبينِ والأهم مساحته الصغيرة جدًا جدًا.
مُرطبّات:
كلّما تذكّرتُ الموقف ضحكت. حين رأيتُ اللافتة والصنّاع الذين يبدون جادينَ للمواصلة. مرطبّات هه..! أبو أيّو سيد الموقف هنا صيفًا وشتاءً ومن يحاول معهُ هنا في هذا الموقع، من يضع رأسه برأسهِ في النهاية سيضربُ رأسه في الحائط. سيفشل، نعم، يفشل حتميًا وموضوعيًا ومهنيًا.
مخبز:
تبدو محاولة ذكيّة، ومناورة مدروسة بشكلٍ حاذق. ولهذا استمرت واثبتت جدارتها، كنتُ أمرّ يوميًا وأعدّ الأيّام والأسابيع والأشهر التي ستعلن نهاية المشروع كعادة المشاريع السابقة. لكن الزبائن يتواجدون بكثرة وهذا الخبز ساخن بكل أنواعهِ المختلفة يصنعونهُ والعمّال خدومين جدًا مع الزبائن من كبار السن والنساء ويوصلون أكياس الخبز لسيارتهم بامتنان. استغربتُ اللحظة التي أعلنوا فيها انسحابهم. ورحتُ أبحث عن الأسباب المنطقيّة والجادة لهذهِ النهاية المُحزنة. عراقيًا لن تكون هذه الأسباب منطقيّة ولا جادة أبدًا بل ستكون أقرب للمُضحكة. ربّما العلامة التجاريّة الفارقة في المخيّلة الشعبية للمخبز الآخر وسطحية الزبائن عجّلت بذلك. ثمّة مخبز آخر في بداية التقاطع بعنوان (مخبز النجف الشهير) وهو لا يختلف كثيرًا في الأداء والسلعة عن هذا المخبز. هكذا سينتهي بمفارقة الحظ أو القدر آخر مشروع جاد في هذا المحل.
عمليّات تجميل متواصلة:
في خضمّ كل هذه الفترة الطويلة والفترة القادمة سيتعرّض هذا المحل بجدرانهِ الأربع وبسقفه وأرضيتهِ ومدخله لما يمكن أن نسمّيه بـ (عمليّات تجميل) بالكوسرة وبالجاك همر والمطارق الحديدية والفؤوس وورق الجدران والسقوف الثانوية وأصباغ البوية والبنتلايت إلخ. وبصورة متواصل ستستمرّ هذه العمليّات، فمع أي مشروع جديد ستبدأ التغييرات الجذريّة على صعيد الديكور والشكل والمضمون والمفارقة القاسية أن هذه العمليّات لا تخفي بعض العيوب كما هي الحال في عيادات التجميل، كما لا تنتج النجاح والأمل لهذا المؤجّر بل كل ما ستنتجهُ هو المزيد من الأنقاض والحزن وقلق الرزق المتواصل.
وما يزال المحلّ معروضا للإيجار ، وعلى من يجد في نفسه الجدّية التواصل معنا !



