مشروع ضد لا يسعى إلى إنتاج خطابٍ نخبوي معزول، بل إلى ملامسة الشارع الثقافي الشبابي مباشرة، بلغة تفهم أسئلته وتعبّر عن قلقه وهواجسه. جاءت جلستنا الاولى في كربلاء لتضع الإصبع على مناطق ظلّ طال تجاهلها في مدينةٍ بحجم ورمزية كربلاء. فنحن نؤمن أن الشباب ليسوا متلقين سلبيين، بل شركاء في إعادة تعريف المدينة ومعناها الثقافي، وأن فتح هذه النقاشات هو الخطوة الأولى لإعادة بناء مشهد ثقافي حقيقي لا يعتذر عن وجوده.
وعليه؛ ايماناً منّا إن رميَ حجرٍ في بركةٍ سيحرك ماء راكدة، أو على الأقل سيُحدِث فارقًا، التقينا بجلسةٍ تفاعلية مفتوحة تعد الأولى من نوعها في كربلاء.
كانت محاور الجلسة مهمّة في تقديرنا. ابتدأنا بمقدّمة بسيطة عن الفنّ الإسلامي والعمارة والخط، وعن الفنّ والمسيحية، وعن الطرق التي كان يتعامل بها الدين مع الفن، وكيف كان الرهبان المسيحيون يستدعون الفنانين سابقًا ليرسموا عباراتٍ من الإنجيل، وهكذا وصولًا إلى الوقت الآني.


تحدّثنا أيضًا عن شكل التعامل بين الجانب الديني في المدينة كوضعٍ عام، وبين الجانب الثقافي، وعن نوعية التعامل بينهما. وكان حديثًا مهمًّا أيضًا عن أثر الاختلاط الثقافي، وعن الجنسيات التي تزور المدينة بشكلٍ سنوي دائم، وعن الأثر غير الموجود حقيقةً من حيث نوعية الأشخاص، مثل الجنوبيين الذين يأتون شهريًا أو نصف سنوي على الأقل، وعن الأكاديميين، والفنانين، والأشخاص الذين يرتدون العقال، والشباب؛ كل هؤلاء: ما شكل الأثر الذي يتركونه؟
ختامًا، كان الحديث بالأكثر أهمية عن الهوية الثقافية الكربلائية بشكلٍ خاص، والعراقية بشكلٍ أعم، وعن التحوّل الذي حدث في المجتمع الكربلائي ما بعد التسعينات، وعن الوجود الآخر الذي لا يشبه أبدًا الشكل الذي كان عليه الكربلائيون، وعن شكل التدين السابق، وعن شكل التدين الحالي، وعن قم ومشهد كمدنٍ دينية، ليس على سبيل المقارنة بل على سبيل التبيّن والتبيين، وعن وجود أعداد لا تُحصى من معاهد تعليم الغناء والموسيقى والتشكيل والسينما، في حين أنّها مدن دينية بحتة وشيعية أيضًا.


أثبتت الجلسة أن كربلاء ليست مدينةً مغلقة كما يُراد لها أن تُصوَّر، بل مدينة قابلة لإعادة القراءة والتأويل، مدينة تختزن طاقة ثقافية هائلة لم يُفسح لها المجال بعد. ما طُرح من أسئلة، وما كُشف من تناقضات، لم يكن هدفه الصدام، بل الفهم والمكاشفة.يسعى مشروع ضد إلى تحويل هذه الجلسات من لحظات عابرة إلى مسار مستمر، يعيد توجيه الأنظار إلى كربلاء بوصفها عاصمة دينية وثقافية في آنٍ واحد، قادرة على احتضان الفن كما تحتضن الطقوس، وقادرة على جذب العقول كما تجذب الملايين من الزائرين سنويًا. الأثر الحقيقي لهذه الجلسة هو فتح بابٍ كان موصدًا طويلًا أمام جيلٍ يريد أن يرى مدينته كاملة… لا مجتزأة.

