المجتمع ينتج الفن، ام الفن ينتج المجتمع؟

مرّ تاريخ الفن والادب بتحولات كبيرة على كل المستويات ، تحولات خاصّة تهم الفن والادب نفسهما.. تلك التحولات العملاقة التي حدثت بعد انتقال العالم إلى ما يسمى بعصر النهظة ،، وتكيف معها بعد ذلك وتحولات عامّة تخص المجتمعات .

ربما يجيز لي أن اسأل الآن ما الذي ينتج الآخر ؟ المجتمع ينتج الفن أم الفن ينتج المجتمع ؟

بيير بورديو في كتابه “قواعد الفن: نشأة وبنية الحقل الأدبي ” يرى أن العمل الفني أو الأدبي ليس نتاج عبقرية الفنان أو المبدع بل بنيته الاجتماعية، منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة تتحكم بالعمل الفني أو الأدبي. بينما هناك رؤى مختلفة تتحدث عن العين التي تستهلك الفن بوصفه معنى للوجود.. بوصفه ادراكا خاصا للعالم..

في مقالته ” انحلال الكذب ” يقول اوسكار وايلد أن الحياة تقلّد الفن اكثر مما يقلّد الفن الحياة. لذا فأن الفن لا يكمن في الصورة الحقيقية بل في الحلم . ولو اعتبرنا أن الفن والادب لهما العلاقة في خلق العالم فأن مهمة الفنان ، الشاعر ، الموسيقي ، الرسام ، الفنانين والادباء والفلاسفة والمثقفين بصورة عامة ليست محصورة على الخلق فقط بل على التدهور أيضا..

اذا كانت مهمة الشاعر بالنسبة لتاركوفيسكي خلق العالم فإن مهمته كذلك خرابه .

هذه العلاقة الشاذة نوعا ما بين الفن والادب بصورة عامة والمجتمع التي اصبحت الان مغايرة لما كانت عليه ، تحوّل الفن من اجل المجتمع إلى الفن من اجل الفن ، فن نخبوي ، الشاعر يكتب من اجل الشاعر ، الفنان يرسم من أجل الفنان .

هل ثمة نهاية لمبارة الفشل بالوصول إلى الآخر؟ بين الفن والادب بصورة عامة والافراد؟ التقلّبات التاريخية التي حدثت بصورة خاصة لنا كعراقيين جعلت منّا اشخاصا لا نصغي لا نفهم وربما لا نستطيع حتى لمس ذواتنا . اننا نعيش داخل تكتلات العقل الجمعي ، فضاءً كبيرا لا نستطيع أن نحيل ذواتنا عنه، بل زنزانة تحجبنا عن هذا العالم الهائل . لقد ربّينا هذا الهجران لذواتنا منذ زمن بعيد حتى أننا صرنا نرثه أبا عن جد. هجران حقيقي للنفس، للاشياء الخبيئة المهولة التي في الداخل.

ثمّة الكثير من الذوات لأنه ثمة الآخر هكذا يقولان دلوز وغواتاري في كتاب “ما الفلسفة” ..اتصفّح احيانا قليلة بما يسمّى بـ ـ الريلز ـ في الاوقات التي احيل نفسي بها إلى الفراغ . شاب يلتقي بمجموعة من الطلبة الجامعيين بسؤال عن گلگامش سؤال بسيط: من هو گلگامش ؟ يجيب واحد منهم أنه سبّاكا في الحيّ الذي يسكن به ! وآخر يجيب أنه ملك سومري قديم ! واخرى تجيب ـ مو هذا أبو عشبة الخلود – ! اكتفي بهذا القدر من انسداد النفس أُمرر إصبعي إلى فوق وعلى نفس طبقة اللقاء شاب في ساحة اوربيّة يسأل مجموعة من المارّة عن لوحة لـ – العبقري الأخير بيكاسو – فيجيبوا غالبيتهم ببساطة (مصارعة الثيران) !

افهم جيدا ما عليه الطابع الغربي ومن هزّات حدثت في تاريخه الطويل ، استغراقهم الطبيعي للفن كأشخاص عاديين واعتبارهم أن الفن تدخّلا مباشرا في حياتهم وهذا جيء عبر تراكمات معرفية كبيرة.. أفهم ايضا ما عليه الطابع العربي لكن القول بأن يبقى للمرء حرية التحرر من نفسه من الاثقال التي تفسد عملية التقدم ، المعرفة ، وكلّ ما هو عميق في هذا العالم . فلو هناك نظرة جديدة للرؤية في الثقافة العربية فينبغي أن تنتج مجتمعا جديدا مثلما انتجت فنّا جديدا على غرار قول الفنان الهولندي بيت موندريان .

كتابة: مجتبى منذر