“النمو بالعرض بدل الطول “
منذ نعومة الأظفار، يجد الطفل نفسه في معركة غير متكافئة مع مفهوم مشوَّه للنجاح. نجاح لا ينبع من داخله، بل يُفرض عليه من الخارج؛ من رغبات الأهل وتصوراتهم. إن لم يكن الأول في صفه، فهو خارج معادلة التفوق. وإن أفصح عن حبّه للموسيقى أو أبدع في الرسم أو تألق على خشبة المسرح، فغالبًا ما يُقال عنه إنه ضائع لم يُحسن اختيار الطريق. وحده المتفوق في الرياضيات والفيزياء يُوصَف بالذكي حقًا. بهذا المنطق، يُختزل معنى النجاح في معادلات وأرقام، بينما تُقصى بقية الطاقات الإبداعية والخيالية. والمفارقة أن الطفل، لكي يُصنَّف متفوقًا، لا بد أن يزيح الآخرين من طريقه، لأنه سيُذكَّر دائمًا بجملة: “لماذا فلان أذكى منك؟” وهكذا تتحوّل المدرسة من فضاء تعلم إلى حلبة صراع
معيار النجاح: الرياضيات كدين جديد في معظم أنظمة التعليم العربية
تُعامل الرياضيات والعلوم الطبيعية بوصفها المعيار الوحيد للذكاء. تقرير البنك الدولي لعام 2022 أشار إلى أن أكثر من 70% من الطلاب في المنطقة العربية يُقاس أداؤهم المدرسي فقط عبر مواد الرياضيات والعلوم، فيما تُهمَل الفنون والأنشطة الإبداعية. هذا التركيز الأحادي يجعل الطفل المبدع في الموسيقى أو المسرح أو الفنون البصرية عرضة للتهميش وربما الوصم بالغباء. بينما في دول مثل فنلندا وكندا، يُعطى التعليم الفني مساحة موازية للعلوم، ويُعتبر الرسم والموسيقى أدوات لتنمية الذكاء العاطفي والاجتماعي. الفارق أن هذه المجتمعات تعترف بأن العقل ليس قالبًا واحدًا، بل طيف من القدرات المتنوعة
“ثقافة المقارنة: “فلان أشطر منك
المقارنة المستمرة بين الأطفال تُحوّل التربية إلى مضمار سباق لا ينتهي. الطفل لا يسمع تشجيعًا على ما يملك، بل تذكيرًا دائمًا بما ينقصه. دراسة أُجريت في جامعة بيروت العربية عام 2019 بيّنت أن 80% من الطلاب الذين يتعرضون للمقارنة السلبية في صغرهم يعانون لاحقًا من تدنّي الثقة بالنفس وصعوبة العمل الجماعي.بهذا الشكل، يصبح “الأول” هو الهدف الأوحد، أما بقية الصف فهم مجرد ظلال. ومع مرور الوقت، يترسخ في وعي الأجيال أن النجاح لا يكتمل إلا إذا أُقصي الآخر أو جرى تجاوزه
النمو بالعرض: استعارة جورج خباز
“جورج خباز لخّص المأساة بجملة بليغة في مسرحيته: “نحن نكبر بالعرض لا بالطول
النمو بالطول يعني أن يكبر كل فرد في مساره الخاص، جنبًا إلى جنب مع الآخرين، كما تنمو الأشجار متجاورة نحو السماء. أما النمو بالعرض، فهو تزاحم على الأرض، حيث تتراكم النجاحات فوق أنقاض الآخرين. والنتيجة أن المجتمع يظل قصير القامة من الداخل، مهما تراكمت شهاداته ومراكزه
الأثر البعيد: مجتمع قصير القامة روحيًا
حين يُبنى التعليم على المنافسة والإقصاء، فإن أثره يتجاوز المدرسة. يكبر الطفل معتقدًا أن التفوق يقوم على الدوس على الآخرين. لاحقًا، سيحمل هذه العقلية إلى بيئة العمل والسياسة وحتى العلاقات الشخصية. وهكذا ننتج مجتمعًا متكدّسًا في الطين، لا يعرف التعاون، بل يعرف “إلغاء الآخر” كشرط للوجود
نحو بديل: الاعتراف بتعدد الذكاءات
الخروج من هذا المأزق يبدأ بالاعتراف أن الذكاء ليس واحدًا. نظرية “الذكاءات المتعددة” لعالم النفس هوارد غاردنر أكدت أن الإنسان قد يتفوق في مجالات شتى: الموسيقى، الحركة الجسدية، العلاقات الإنسانية، إلى جانب المنطق والرياضيات.التجارب العالمية تثبت أن الاستثمار في هذا التنوع يخلق مجتمعات أكثر ابتكارًا وتعاونًا. في سنغافورة مثلًا، يُشجَّع الطفل منذ المراحل الأولى على اختيار نشاط فني أو رياضي يوازي دراسته الأكاديمية، ما أنتج جيلاً متفوقًا علميًا وإبداعيًا في آن واحد
:الخاتمة
الوقوف بالطول، ما قاله جورج خباز ليس مجرد نقد للمدرسة، بل تشخيص لثقافة كاملة. نحن نُربي أبناءنا ليكبروا على حساب بعضهم، بدلًا من أن يكبروا معًا. وحين نُصرّ على ذلك، فإننا نحكم على أنفسنا بالبقاء “قصارًا” مهما طالت أعمارنا.لقد تعبنا من الركض أفقياً… فلنجرّب الوقوف، ولو مرة، بالطول الذي يليق بنا جميعًا. النجاح الحقيقي ليس في إقصاء الآخر، بل في أن نرتفع معًا، كلٌّ في مساره، كغابة من الأشجار المتجاورة نحو السماء




