سما حسين 20250707 030544 ٠٠٠٠ 768x563

مشروع ضد .. في علم النفس الاجتماعي

ما معنى أن تكون ضِدًّا؟

في سيكولوجيا الاختلاف والتفرّد.تخيَّلْ معي غرفةَ انتظارٍ كبيرةً في إحدى الدوائر الحكومية. دويُّ الحضورِ الصاخبِ يَملأ المكان. الجميع يتحدثُ باللغةِ ذاتِها، بل وربما باللهجةِ ذاتِها لتلك المدينة. مشهدٌ يُشبه سيمفونيةً صاخبةً لكنها متماسكة، لا شيء يخرجُ عن نوتتِها العامة.إلى أن تَخرقَ انتظامَها نغمةٌ نشاز. فتلتفتُ العيون، وتُرهِفُ الآذان، باحثةً عن مصدر ذلك النشاز. هذا النشاز ليس إلا رجلًا دخل الغرفةَ لتوّه، وكان يتحدثُ في هاتفه بانفعالٍ واضح، بلغةٍ غريبةٍ يجهلها الحضور. هو بضِدِّيَّتِه هذه لم يدخل الغرفة، بل اخترقها.هذا – بالضبط – هو نَفْسُهُ اختراقُكَ المجتمعَ الذي أنتَ فيه إذا اخترتَ أن تكون ضِدًّا.

التقليد: لماذا نَنسلِخ عن أصالتنا؟

إن أردنا أن نفهم كيف يحدُثُ الاختلاف، فمن بابٍ أَولى ينبغي علينا أن نفهم ما الذي يَدفع الناسَ إلى التقليدِ الأعمى والتخلّي عن أصالتهم. في علم النفس بمختلف فروعه، توجد الكثير من النظريات المُفسِّرة لظاهرة التقليد.و لكن سنختار

– (Need to Belong Theory) Baumeister & Leary (1995)- نظرية “الحاجة إلى الانتماء

تُعدّ من نظريات علم النفس الاجتماعي ..تقول هذه النظرية إن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بفطرته، وإن دافعَ أن يكون فردًا في جماعةٍ هو دافعٌ أساسيٌّ وشرطٌ ضروريٌّ لبقائه على قيد الحياة. فمنذ طفولةِ الإنسان، يكون حساسًا لمظاهر القَبول أو الرَّفض من مقدِّمي الرعاية؛ إذ يُكافَأ عندما تُماثلُ تصرفاتُه الشروطَ التي يضعُها هؤلاء، ويُعاقَب عندما يُصدِر تصرفاتٍ تُخالفُها.وعندما يكبرُ الإنسان وتتوسّعُ دائرتُه الاجتماعية، سيكون انتماؤه لمنظومةٍ وجماعةٍ أكبر. وتُزيد عمليةُ التقليدِ الأعمى للجماعة من توافق الفرد الظاهري معها، كما تزيد من فُرص القَبول في أوساطها، وتُقلِّل من احتمالية التهميش والإقصاء من الجماعة

الضدية: كتهديد نفسي لا مجرّد موقف ثقافي. هذا يعني أن الحاجة إلى الانتماء دافعٌ وجوديٌّ عميقٌ في النفس البشرية، وأن أيَّ اختلافٍ راديكالي، وأيَّ موقفٍ “ضِدِّيٍّ” لما هو سائدٌ مجتمعيًّا، لا يُشكِّلُ تهديدًا ثقافيًّا فقط على الجماعة، بل يرقى ليكون تهديدًا نفسيًّا لوجودها

. أن تكون “ضِدًّا” في مجتمعٍ يتركّز على التشابهِ الصارم، يعني أن تقفَ في مواجهةٍ مع أكثرِ مواقفِ الإنسان بدائية. يعني أن تُستبعَد، وتُرفَض، وتُرمى خارجَ إطارِ الجماعة التي تمنحُكَ شعورَ الأمانِ الوجودي

في ضوء ما سبق، نفهم أن فعلَ الاختلاف، لا سيّما في المجتمعاتِ المحافظة، ليس مجرّدَ خيارٍ فكريّ، بل هو مخاطرةٌ نفسيّةٌ وجوديّة بحق. حين تكون “الضدية” ضرورةً لا ترفًا ولكن، ماذا يَحدث حين يشعر الفرد بأن هذا التقليد والتماهي مع الجماعة قد بات قيدًا لُفَّ حول حقيقتِه؟هنا، ستكون الضدية ضرورةً وجوديّة، وليست مجرد ترفٍ أو رغبةٍ في المخالفة.

أن تكون “ضِدًّا” لا يعني أن تكون مخالفًا لأجلِ الخلافِ فقط، بل أن تُقرّر – بمسؤوليةٍ كاملة – أن تدفعَ الثمنَ النفسيّ والاجتماعيّ مقابلَ ألّا تعيشَ حياةً لا تُشبهُك. فأنت هنا تخرج من الجمع، لا لأنك وجدتَ وجهةً أخرى فقط، بل لأنك ترى أن البقاءَ في هذا الجمعِ يعني خيانةً لذاتك