قبل 139 عامًا، كتب تولستوي قصة “موت إيفان إيليتش”، الذي كان يحتضر ببطء وسط لامبالاة زوجته، وانشغال زملائه بالترقية، وأطفاله بحياتهم اليومية . فقال : “لقد حطّوا من شأن موتي..” تبدو الجملة اليوم مألوفة ! فالعالم الحديث لا يحطّ من شأن موت فرد بل من شأن الإنسانية كلها
ما الذي تغير منذ تولستوي ؟
كل شيء، ولا شيء..الاقتراب الخطير من المعلومة و الحدث جعلنا في حالة من ” الإنهاك العاطفي الجماعي”، حيث تتعرض المشاعر البشرية لكمّ هائل من الصدمات البصرية والمعلوماتية، دون أن تُمنح الوقت للمعالجة أو حتى الفهم. فيحل الاستهلاك محل التفاعل و تصبح المشاعر حالها حال اي سلعة
من الضمير إلى التبلد
يؤكل التعاطف شيء فشيء و نصبح في خضم فقدان تدريجي للضمير الجمعي. حيث يصبح الظلم شيئًا نمر عليه مثل أي إعلان، و أعني بالإعلان : مزعج و منفر، فالمشاعر و المشاهدات العنيفة بما تخلفه من حزن و الم تعرض العقل بشكل مستمر لمحفزات عاطفية شديدة (مشاهد موت، ظلم، فقر، كوارث…)، يبدأ الجهاز العصبي بالتعامل معها ك”خطر دائم”، فيُفرز هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول) باستمرار ، إلى أن يصل إلى مرحلة الإنهاك ثم يتوقف الجهاز العاطفي عن التفاعل لأنه لا يستطيع مواكبة كل هذا الألم. مع تكرار الصور والمآسي، يبدأ الدماغ بعملية دفاع نفسي لا واعٍ يشبه التعود على المنبهات المؤلمة، حتى لا “ينهار” العقل. وهنا يظهر الخدر، لأن الدماغ يضطر لإيقاف الاستجابة
الترند العاطفي و ترويض المشاعر
هذا الانفجار العاطفي اللحظي يشبه الحمى ، يبدأ حارقًا، جماعيًا، مشحونًا، ثم يخبو فجأة. و يتم ترويضه بواسطة أجندات مصممة لإزاحة الإنسان عن عمق المشكلة وتوجيه انتباهه إلى مشاكل أخرى و بعد شهر ينقرض كل شيء و يدفن في الإرشيف المتكوم كأنه لم يكن، وتعود الخوارزميات إلى عروضها الاعتيادية . لكن، ماذا حدث؟ وأين ذهب كل ذلك الألم؟ وهل كانت مشاعرنا حقيقية؟
الناس محاصرون بنظام عصبي مرهق، وخوارزميات تجبرهم على الانتقال من مأساة إلى أخرى بسرعة .أن تنشر اليوم و أن تكتب و أن تشارك وأن تشعر لا يكفي ابدأ . أن تستمر في الإحساس، أن تبدأ التغيير من محيطك وتقاوم النسيان الذي يجبرونك عليه هذه هي المعركة الحقيقية.
أن التفاعل السريع قد يعطيك (وهم الفعل) . حين تشارك بوست، أو تعبر عن رأيك، تشعر وكأنك ساهمت.لكن مع الوقت، وإدراك أن هذا لم يغير شيئًا فعليًا، يبدأ الإحباط
شعور الإنتماء
الانخراط في عاطفة جماعية يعطي وهمًا بالانتماء والمعنى. هناك شعور مؤقت بأننا لسنا وحدنا، نشعر أن حزننا له “جماعة دعم”، حتى لو كانت لحظية. لكن بمجرد أن يتغير الترند، يتبخر الشعور، ونعود إلى وحدتنا الأولى، مضاعفة بالألم والفراغ.هذه ليست أعراض عابرة… بل ملامح عميقة في شخصية الإنسان الحديث.وهذا الانفصال العاطفي هو واحد من أخطر نتائج حياة ما بعد الحداثة..كما قال تولستوي قبل ١٣٩




