” كان الساكسفون بطيئًا وحزينًا، كما لو كان يحاول تذكّر شيء ضائع | جاك كايفي “
في البحث عن النفس، تظلّ لدى الإنسان ثمة فارزة مفقودة، أو سمِّها إن شئت: حقيقة مخبوءة تحت جناحيه. حقيقة ناقصة لا تكتمل إلا بالموسيقى. الموسيقى، في الحقيقة، هي اللغة التي برعت بتوهاننا، وبرعنا في العجز عن ترجمة مفرداتها.
لقد صوّرت السينما العالمية الموسيقى بصور عديدة (ساوند اوف ميتال ٢٠١٩) ليس أكثرها ابتهاجًا. الفيلم يُظهر عازف طبل يُدعى “روبن”، يفقد سمعه. ورغم تحذيرات الطبيب من ضرورة الحفاظ على سمعه النائي، يعود مرة أخرى إلى المسرح، ويذهب إلى الآخر، بذاتٍ جديدة خلقتها له الموسيقى… شياطين الموسيقى، وربما ملائكتها
أغلب الأوصاف التي نطلقها على الموسيقى، أو استشعارنا بها، ليست أوصافًا للموسيقى، بل لنا نحن. لبقع السواد أو البياض التي في أرواحنا، في ضمائرنا. أوصاف نطلقها على الحقائق الخبيئة، الحقائق التي لا يمكن اختراقها إلا عبر الموسيقى. لذا، فإن إطلاق أوصاف من تجاربنا الموسيقية هو وصف لحقيقة غير مرئية، إذا أخذنا الأمر بحدّ تعبير جيمس بالدوين: “أن الموسيقى واقع تجريدي
تقول ماريان، في قصة “موسيقى جاز صغيرة ” يمكن لعازف بوق أن يُهاجم نازيًّا ببوقه. بنفخةٍ متناغمة، أطلق النحاس زئيرًا قويًّا كما لو كان موجَّهًا نحوه مباشرة. أصبح كل شيء أسودًا أمام عينيه.” لذا، يمكن القول إن مستويات الموسيقى تمتدّ أبعد من ذلك
” أنا نهاد حداد… أطلقوا عليّ اسم فيروز ”
هكذا أجابت في بداياتها في الإذاعة. في الوقت الذي كانت فيه لبنان واقعةً في حرب أهلية، أطلقت فيروز ألبوم “معرفتي فيك”. وكان غناؤها “موعظة بالغة” سمعها كلّ من كان مشاركًا أو مؤيدًا أو صامتًا حتى: ” لبيروت، من قلبي سلامٌ لبيروت.”
في قطعة الزمن هذه، زياد الرحباني أيضًا، الذي غادر اليوم عاقدًا يديه خلف ظهره، بفمٍ مطبق، ناكثًا وعده لأمه فيروز: “لن أطعَن أمومتك بالرحيل.” لكنه خان كلمته، الكلمة التي أضحكنا بها وأبكانا أيضًا. الكلمة التي كتب بها عن العصفورة مرة، وعن القفص مرة أخرى. عن الحبّ مرّات كثيرة، وعن الوداعات مرّات أكثر. وها هو يُخلفها للمرة الأولى، للمرة الأخيرة،
زياد، الذي ظلّ يسخر بالغناء وبالمسرح كثيرًا، كمقاومة حادّة للأزمة اللبنانية في ذلك الوقت، وللأزمات العربية اللاحقة أيضًا. بلغته المحكيّة اللبنانية في الأغنية، وفي المسرح، وفي الخطاب السياسي أيضًا . وقدرتُه على استملاك المعنى أو الفهم العام لما يحدث، اللغة الحيّة التي جيء بها من اليوميّ المعذّب والساخن، احتكّت بشكل مباشر بالأوضاع التي كان عليها اللبنانيون.
يعنيني أن أقول إن زياد كان مساهمًا، في كلّ الأوساط التي اشتغل بها، في التغيير بشكل مباشر، ليس فقط على مستوى الأزمات السياسية، بل في بلورة الهوية اللبنانية أيضًا.
لو جاز لي أن اعود مرة ثانية إلى فيروز أو نهاد حداد كما أحب أن اناديها، لقد حضرتُ لوحات موسيقية كثيرة، ومنها ما كان بالغ الرداءة. لم يعلَق من كلّ ذلك شيء في روحي… إلا الكاركتر الموسيقي الذي خلقته فيروز لنفسها. كاركتر لا يمكن تقليده، أو حتى الاحتكاك به. فيروز أتاحت لمستمعيها صعوبة في تذكّر كلمات الأغنية، أيّ أغنية تغنيها. والسبب هو صوتها. الأحبال الصوتية العجيبة التي تمتلكها، تجعلُك لا تسمع صوتها فقط، بل تراه أيضًا.
ربما أبدو متطرّفًا الآن، إن قلت: لو أن هناك آلة تُصوّر الصوت، فأيّ صوت سأعلّق صورته على الجدار؟ لقد طرأت عليّ مرارًا هذه الفكرة. لا أجد غير هذا الصوت، وهذه المرأة العجب، العيون الحالكة، والوجه الذي يشبه صباحيات انتهاء الحرب – أيّ حرب – يشبه أيّامي حين كنتُ نطفة.
لا أجد غير هذه الحبال الصوتية الخارقة أعلّق صورتها على الجدار. وحين لا أجد سببًا كافيًا للعيش، أربط بها عنقي، وأتدلّى مثل مصباحٍ في بيتٍ قديم
كتابة : مجتبى منذر




